الاثنين، 11 أغسطس، 2008

مؤشرات خطرة فى تصريحات جمال مبارك


السفير أمين يسري

قديم جديد هذا العنوان لهذا المقال. فقد سبق لصحيفة «العربي» فى 29 ديسمبر من عام 2002 أن نشرت لى مقالا يحمل ذات العنوان. كان ذلك بمناسبة تصريحات أدلى بها جمال مبارك عند زيارته ولقائه بقادة الحزب الوطنى فى منطقة شرق القاهرة يوم 12 ديسمبر فى ذلك العام 2002 وقوله: «ليس هناك قوة سياسية فى مصر تستطيع قيادة البلاد غير الحزب الوطني!!». وقوله: إن الحزب «الوطنى الديمقراطى الحاكم» يعمل على أن يستمر حصوله على الغالبية فى المجالس المختلفة التى تمكنه من تنفيذ سياساته وبرامجه والاستمرار فى عملية الإصلاح السياسى والاجتماعى والاقتصادى خلال حكومة الحزب وجهازها التنفيذي!!.
ويومها علقت على هذه التصريحات فى المقال الذى نشرته «العربي» فى العدد 840 الصادر فى 29 ديسمبر 2002 وقلت إنه إذا كان الحزب الذى قدم وكان سببا فى كل الخيبات التى منى بها الوطن هو ذات الحزب الذى يريد له جمال مبارك أن يبقى مسيطرا لسنوات قادمة ليتمكن من تنفيذ سياسته وبرامجه التى اكتوى الشعب بنارها. وإذاكان هذا القول على لسان من يتردد أنه المرشح لخلافة الرئيس فإن حالة من الذهول والهلع تصيب أى مواطن..
ويومها أيضا علقت على قوله إن الحزب الوطنى هو حزب الأغلبية وقلت إن المشتاقين للسلطة من الحواريين الذين يلتفون حوله ربما وراء اقناعه بهذه المقولة غير الصحيحة، فهو حزب فى انتخابات عام 2000 حصل على أغلبية نسبية أى نسبة لما حصلت عليه بقية الأحزاب لكنه لم يحصل على النسبة التى أعلنت وهى 5،85% وحصد 388 مقعدا من مجموع مقاعد مجلس الشعب، فالواقع أن الحزب الوطنى لم يحصل سوى على 172 مقعدا بنسبة 8،38% وسقط 270 من مرشحيه منهم عدد غير قليل من أمناء الحزب الوطنى فى المحافظات ورؤساء اللجان النوعية فى مجلس الشعب السابق، الأغلبية أتت من الذين انضموا أو فرض عليهم الانضمام من المستقلين للحزب الوطنى وبعد إعلان النتائج وعددهم 181 بدعوى أنهم أصلا كانوا أعضاء بالحزب الوطنى ولكنهم خاضوا الانتخابات كمستقلين ومن حقهم العودة أو إعادتهم للحزب!! لكن الأمر لم يتوقف يوما عند هذا الحد فقد فرض 35 مستقلا لم يكن أحد منهم يوما عضوا بالحزب الوطنى أو غيره، الانضمام هم أيضا للحزب الوطنى ليرتفع رصيده إلى 388 نائبا!!.
بالمناسبة ذات الأمر تكرر فى انتخابات عام 2005، إذ رشح الحزب الوطنى 444 عضوا أى بعدد مقاعد مجلس الشعب لكن الذين فازوا كانوا فقط 140 بنسبة 4،32% لكن تم تعويض هذا الفشل الذريع بذات الاسلوب يضم المرشحين المستقلين إلى الحزب وبذلك ارتفعت نسبة فوز الحزب الوطنى إلى ما يقرب من 72% من مقاعد مجلس الشعب واعتبر الحزب بذلك أنه حزب الأغلبية!!
كل هذه المقدمة كانت ـ فى رأيى ـ لازمة بعد الحديث الذى أدلى به جمال مبارك لمجلة «السياسة الدولية» الفرنسية ونشرته «الأهرام» بحفاوة يوم الخميس31 يوليو الماضى وعلى صفحة كاملة مع صور لجمال مبارك ومقتطفات من حديثه بعناوين بارزة وكان من أخطر ما قاله: «إننا نتحرك على ثلاث جبهات لتحقيق الهدف الأول وهو إدخال مصر فى منظومة الاقتصاد «الرأسمالي» العالمى ثم تقليص دور الدولة (....) وأخيرا إعطاء مساحة أوسع للقطاع الخاص، أى ل مثال ممدوح إسماعيل مالك العبارة وأحمد عز!! ملك الحديد!! وهنا أعود لمقال آخر نشرته «العربي» تحت عنوان رسالة عاجلة لجمال مبارك نشر بالعدد 848 فى 2 مارس 2003 وذلك عقب نشر «العربي» لمقالى «مؤشرات خطرة فى تصريحات جمال مبارك» ما تلقيته من مدير مكتب الرئيس للمعلومات من طلب كتابة خطاب اعتذار لجمال مبارك ورفضت ذلك، فقد رأيت فى شجاعة الأخ والصديق الأستاذ عبدالله السناوى رئيس تحرير العربى ما حفزنى لمواصلة الكتابة، إلى أن جاء يوم ذهبت فيه لقريتى وهالنى حجم الغضب الذى كان يشع فى أعين وكلام إخوانى من الفلاحين إثر رفع أسعار السكر والشاى وغيره من المواد التموينية وذلك عقب قرار تعويم الجنيه المصرى أمام الدولار الذى جاء عقب انتهاء زيارة جمال مبارك إلى أمريكا فى الفترة من 27 يناير وحتى التاسع من فبراير 2003. يومها كتبت مقالى «رسالة عاجلة إلى جمال مبارك» باعتباره رئيس لجنة السياسات التى كانت قد أدخلت تعديلات على تشكيلها وجعلت رئيس الوزراء عاطف عبيد مجرد عضو بها لتكون الحكومة هى حكومة الحزب!! وهذا التعديل ولكى يحظى رئيس الوزراء بعضوية لجنة السياسات اقتضى تعيين الدكتور عاطف عبيد عضوا بمجلس الشورى فى المقعد الذى كان قد خلا لسنوات بوفاة المرحوم ثروت أباظة وظل شاغرا على مدى سنوات خلافا للدستور والقوانين المكملة له.
الشاهد أننى يومها زرت قريتى وتحوليق إخوانى الفلاحين حولى وكلهم يشكو الغلاء، ولاحظت أن أحدهم قد انسحب ثم عاد وفى يده ورقة هى قصاصة من صحيفة «القبس» الكويتية فى عددها الصادر فى 30 ديسمبر 1985 رقم 4898 تتضمن حديثا أدلى به المرحوم محمدزكى شافعى، أعظم أساتذة الاقتصاد فى كلية الحقوق ووزير الاقتصاد الأسبق، وأجد ما ورد على لسان الدكتور الشافعى خير رد على الأستاذ جمال مبارك وفيه يقول بالنص والحرف الواحد: «إننا نحذر دائما من «روشتات» صندوق النقد الدولى، خاصة فى دول العالم الثالث ومصر منها. فالصندوق يمثل وجهة نظر رأسمالية أمريكية وهو لن يقبل أبدا أن تسعى مصر لتحقيق سياسة إصلاح الخلل الخطير فى التوازن بين الادخارات والاستثمارات والاستيراد والتصدير والاستهلاك والإنتاج فهذا التوازن مطلب أساسى لتحقيق أى إصلاحات اقتصادية لكن لا أعتقد أن الحكومة فى ظل التوجه العام تستطيع مقاومة الضغط عليها سواء من الخارج أو من الداخل. ولذا فمن الطبيعى أن نتوقع فى الفترة القادمة مزيدا من الارتفاع فى الأسعار، وبالتالى مزيدا من التضخم فى أعباء المعيشة والاستمرار فى عملية إفقار أصحاب الرواتب والدخول الثابتة. كان الأمل يكمن فى إشراك الحكومة للشعب المصرى فى عملية صنع القرارات خاصة الاقتصادية التى تمسه مباشرة ولكن للأسف ما نراه هو محاولات بل قرارات لإشراك رجال الأعمال فى اتخاذ القرارات السياسية على أعلى مستوى ـ (هذا كلام الدكتور زكى شافعى عام 1985 وكأنه يرى ما جرى فى عام 2008) ـ وهؤلاء ـ أى رجال الأعمال ـ معروف مقدما عنهم أنهم لا يرون سوى مصالحهم الخاصة والبحث عن سبل تحقيق أعلى الأرباح على حساب الشعب الكادح، وهذا نظام غير معمول به فى أى بلد رأسمالى فى العالم وما يطبق فى مصر له اسم آخر هو الرأسمالية المتخلفة. إن كل الدول التى طبقت هذه الرأسمالية المتخلفة قامت بها انقلابات وثورات شعبية وهذا ما حدث فى مصر فى يناير 1977، إن غاية صندوق النقد الدولى هى التغلغل فى السياسة الاقتصادية للدول ولمصر حتى يسهل التأثير على قراراتها السياسية، وهنا تنشأ أبشع أنواع التبعية».
هل سيقرأ جمال مبارك كلام أستاذ الاقتصاد الأشهر الدكتور محمد زكى شافعي؟ لا أعرف الإجابة، لكن من حق القارئ أن يسألنى لماذا غبت عن صحيفة العربى لعدة أسابيع، وردى أننى كنت ومازلت مشغولا بالإجابة عن سؤال يهمنا جميعا فحواه: كيف تخرج مصر من محنتها؟ ماذا بعد كل هذا الذى جرى ويجري؟ هذا هو الهم الذى يجب أن يكون شاغل كل كاتب وكل قارئ.